
جدة – بغداد – واشنطن – «وكالات»: أكد وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل أن رئيس وزراء العراق المنتهية ولايته نوري المالكي ، هو من قام بتأجيج الطائفية في العراق ، موضحاً أن اتهام المالكي للمملكة برعاية الإرهاب مدعاة للسخرية ، مضيفاً «نصيحتي له ألّا يعارض السعودية».
وقال الفيصل خلال مؤتمر صحافي عقده بعد انتهاء أعمال اجتماعات وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في جدة، أمس الخميس :«سياسات المالكي الطائفية هي سبب تدهور الوضع في العراق، إذ تعاملت حكومته بشكل سيئ مع بعض المناطق، واحتفاظ المالكي بجميع المناصب قوض قدرة الجيش العراقي» ، ناصحاً في الوقت ذاته رئيس وزراء العراق المنتهية ولايته ، باتباع نهج المملكة في مكافحة الإرهاب.
وشدد وزير الخارجية السعودي في كلمة له خلال الجلسة الختامية التي عقدها وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في جدة ، على ضرورة محاربة السياسات الطائفية التي أدت إلى الفتن في بعض الدول ، مؤكداً في الوقت ذاته على إدانة الإرهاب بكافة أشكاله وصوره. وأوضح الأمير سعود الفيصل أن المجتمع الدولي فشل في إيجاد حل للأزمة في سوريا.
وكان الفيصل قد أكد في كلمته خلال افتتاح جلسات وزراء خارجية المنظمة أمس الأول ، أن الأوضاع في العراق توحي بحرب أهلية. وجدد التأكيد على أن موقف المملكة ثابت من الأوضاع التي تحدث في المنطقة.
بدورها أوضحت منظمة التعاون الإسلامي في بيان لها، أمس الخميس، أن الوضع في العراق وسوريا والأراضي الفلسطينية تصدرت أجندة المؤتمر، إلى جانب التطورات الأخيرة، وأثر ذلك على الأمن والاستقرار في المنطقة والوضع في ليبيا في ضوء الأحداث مؤخراً والمستمرة التي تشهدها، وكذلك أحوال الأقليات المسلمة في ميانمار والفلبين ، مضيفة أن ملف الإرهاب والتطرف يعد أحد أهم القضايا المطروحة على طاولة المؤتمر، إضافة إلى قضايا الخلاف المذهبي الذي يهدد الأمن والاستقرار في المنطقة.
ميدانيا أعلن المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة الفريق قاسم عطا أمس أن القوات العراقية تسيطر بالكامل على مصفاة بيجي الرئيسية شمال البلاد، والتي تعرضت في اليومين الأخيرين الى هجمات من قبل مسلحي داعش بهدف السيطرة عليها.
وقال المسؤول العراقي في مؤتمر صحافي إن القوات الحكومية تفرض سيطرتها الكاملة على المصفاة الأكبر في البلاد ، والواقعة على بعد 200 كلم شمال بغداد.
وتحولت المصفاة النفطية في بيجي على بعد 200 كيلومتر شمالي بغداد قرب تكريت إلى ساحة قتال، فيما تصدى الجنود الموالون للحكومة العراقية لمسلحين من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام الذين اقتحموا المصفاة قبل ذلك بيوم ، ما شكل خطرا على امدادات النفط الوطنية.
وقد أفاد شهود عيان بأنه تم إجلاء ما بين 250 و300 عامل من المصفاة ، خلال هدنة قصيرة من القتال الذي نشب بين داعش والقوات العراقية.
وكان مسلحو «داعش» أعلنوا السيطرة على أكثر من 75 في المئة من مصفاة النفط في مدينة بيجي، وهي الأكبر في العراق، بعد اشتباكات عنيفة مع قوات عراقية. ووفق عسكريين عراقيين، فإن المسلحين قصفوا المصفاة وملحقاتها واستخدموا قذائف «المورتر» وأسلحة آلية في الهجوم، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى من الأمن واندلاع حريق في خزانات مخصصة لتجميع المخلفات النفطية.
بعد ذلك، تمكن المسلحون من السيطرة على وحدات الإنتاج ومبنى الإدارة وأربعة أبراج للمراقبة، وهو ما يمثل 75 في المئة من مصفاة تبلغ طاقتها الإنتاجية نحو 900 برميل نفط يومياً، وتزود معظم المحافظات العراقية بالمنتجات النفطية.
ورغم إجلاء الموظفين الأجانب من المصفاة وبقاء بعض الموظفين العراقيين فقط ، إلا أن الجيش العراقي أكد صد هجوم المسلحين على المصفاة بمساندة الطيران، موقعاً عشرات القتلى والجرحى من مسلحي «داعش» فيما يواصل أوباما مشاوراته مع قادة الكونغرس ومجلس الامن القومي الأمريكي بشان العراق.
إلى ذلك كشف السيناتور الجمهوري ميتش ماك كونيل، أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما أبلغ زعماء الكونغرس أنه لا يحتاج إلى موافقة المشرعين الأمريكيين على أي فعل يتخذه في العراق.
وقد تحدث السيناتور ماك كونيل بعد لقاء بين الرئيس الأمريكي وأعضاء بارزين في الكونغرس.
وكان العراق طلب رسميا من الولايات المتحدة دعما جويا ، وتوجيه ضربات جوية ضد المسلحين الذين سيطروا على مناطق في شمال البلاد ووسطه.
وفي غضون ذلك، ناقش نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي تقديم الولايات المتحدة «إجراءات إضافية» ممكنة لمساعدة القوات العراقية.
وناقش المسؤولان طرق «دحر تقدم الأرهابيين»، حسبما جاء في بيان للبيت الأبيض في هذا الصدد.
من جهة أخرى يرى محللون سياسيون أنه سواء نجحت الحكومة المركزية العراقية في بغداد في صد التقدم الأخير، الذي حققه مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش»، أم لا، فإن تلك الحكومة تواجه تحديا خطيرا ، مؤكدين أن استيلاء تنظيم داعش، المرتبط بالقاعدة، على معظم ما يسمى بالمثلث السني، بالإضافة إلى مدينة الموصل ثاني أكبر مدن العراق، التي يقطنها ما يقرب من مليوني نسمة، يدق مسمارا قاتلا في نعش مشروع بناء الدولة في مرحلة ما بعد الرئيس الراحل صدام حسين.
وأوضح المحللون أن المؤسسات العراقية الهشة الآن حالة يرثى لها ، وأنه من غير المؤكد أن تستطيع حكومة بغداد بعد الآن أن تحتكر استخدام القوة في البلاد، أو أن تمارس سلطة مركزية على تمرد العرب السنة، أو على إقليم كردستان الذي يتمتع بالحكم الذاتي.
أضافوا أن السيناريو الأفضل للعراق يمثل تراجع سلطة الحكومة المركزية لصالح سلطات لا مركزية للشيعة والعرب السنة والأكراد ، أما السيناريو الأسوأ فهو تفكك الدولة العراقية إلى ثلاثة كيانات منفصلة.
المحللون يؤكدون أيضا أن التقدم السريع الذي حققه مسلحو داعش كشف ضعف بنية ومؤسسات الدولة العراقية، إلى جانب حالة الشقاق الإيديولوجي والطائفي العميق التي يعانيها المجتمع ، وبعد ثماني سنوات من احتكار السلطة، لم يستطع رئيس الوزراء نوري المالكي تحقيق الأمن أو المصالحة أو الرخاء.
وانهارت قوات الجيش العراقي، الذي يبلغ قوامه مئات الآلاف من الجنود، تقريبا أمام الهجوم الكاسح الذي شنه بضعة آلاف من مقاتلي داعش المسلحين بأسلحة خفيفة.
وبعد أكثر من عقد على إزاحة القوات الأمريكية لنظام صدام حسين وتفكيك جيشه، لا يزال الجيش العراقي الجديد يفتقر إلى الهوية الموحدة والحرفية ويسوده بالفساد ، وعلى سبيل المثال، استولى مسلحو داعش على الموصل بدون عناء يذكر وكأنهم في نزهة، لأن كبار وصغار الضباط في الجيش العراقي فروا من مواقع خدمتهم، وتركوا أسلحتهم وأمروا الجنود بالفرار إلى منازلهم.
واختفت قوات الجيش العراقي في الموصل التي يبلغ قوامها عشرات الآلاف.
وفي سبيل إنقاذ السفينة الغارقة، قال ممثل المرجع الشيعي الأعلى في العراق آية الله علي السيستاني إن «الدفاع عن العراق وشعبه والأماكن المقدسة واجب على كل مواطن يستطيع أن يحمل السلاح ويقاتل الإرهابيين».
وانضم جيش مواز يقدر عدده بنحو 100 ألف من المتطوعين معظمهم من الشيعة للمعركة، الأمر الذي يزيد من مخاطر الحرب الطائفية.
ولتجنب سوء تفسير دعوته لحمل السلاح، عدل مكتب السيستاني بيانه في وقت لاحق ، محذرا مؤيديه من «أي تصرف يحمل طابعا طائفيا أو عرقيا قد يضر بوحدة الشعب العراقي».
وقالوا إنه من التضليل أن نبالغ في القدرات العسكرية لداعش كما تفعل الكثير من التقارير في وسائل الإعلام الغربية ، وقوة داعش لم تأت فقط من ضعف الدولة العراقية، لكن أيضا من الانشقاقات المجتمعية والشعبية التي تمزق المجتمع العراقي. إنها علامة على تمرد أكبر من رجال العشائر العرب السنة ضد ما يرونه استبدادا طائفيا من جانب المالكي.
وفي قلب المعركة المحتدمة في العراق، يوجد نظام سياسي منهار، يعتمد على المحاصصة أو توزيع مغانم السلطة على أسس طائفية وعرقية وقبلية. وأسس هذا النظام بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.
وشعر العرب السنة، خصوصا خلال السنوات الأربع الماضية، بأنهم قد تم إقصاؤهم وتهميشهم بسبب ما يرونه سياسسات طائفية يتبناها المالكي.
وحينما غادرت القوات الأمريكية العراق عام 2011 كان فكر تنظيم القاعدة في العراق في تراجع ولا يتمتع بشعبية بين السنة.
لكن بعد مرور ثلاث سنوات، نهض تنظيم داعش من جديد حيث وجد حضانة شعبية وسط العرب السنة الغاضبين والمهمشين.
استغل أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم داعش الفرصة التي أتاحتها الانتفاضة المسلحة ضد الرئيس السوري بشار الأسد، ووسع من أنشطة التنظيم إلى سوريا المجاورة، وأسس قاعدة قوية أتاحت له تجنيد المزيد من الأشخاص وكذلك أصول ثمينة على مستوى المال والعمليات.
وتحالف تنظيم داعش مع جماعات سنية متمردة مثل الضباط السابقين في جيش صدام حسين، وضم مئات من هؤلاء الضباط المدربين إلى صفوفه.
وكانت هذه الخطوة نقطة فارقة في قدرة التنظيم على تخطيط وتنفيذ عمليات عسكرية معقدة في كل من العراق وسوريا.
ورحب السنة في مدن الفلوجة والموصل وتكريت وبلدات أخرى بمسلحي داعش واعتبروهم مخلصين، وانضم مزيد من الرجال المسلحين إلى صفوف التنظيم.
الأمر الأكثر إزعاجا، أن الضباط السنة في جيش المالكي الذين غادروا مواقعهم العسكرية، تردد عنهم قولهم إنهم لن يقاتلوا في صفوف حكومة المالكي، وهو تطور يعكس خطورة التصدع الطائفي والسياسي الذي يعانيه العراق اليوم.
ويساعد هذا الأمر على تفسير السقوط المدوي للقوات النظامية العراقية ، فقد قررت القبائل السنية والضباط السابقين في جيش صدام مصير المثلث السني.