
عواصم - «وكالات» : دعا شيخ الأزهر الإمام الأكبر أحمد الطيب، الجمعة، في بيان إلى تحرك إنساني لوقف الانتهاكات والمجازر المرتكبة بحق مسلمي الروهينجا بميانمار.
وجاء في نص البيان: «لقد تابع العالَم على مدار الأيام الماضية ما تنقله وسائل الإعلام ومواقعُ التواصُل الاجتماعي، من صورٍ مفزعةٍ ومروعة لأعمال القتل والتهجير، والحرق والإبادة الجماعية، والمجازر الوحشية التي راح ضحيتها مئات النساء والأطفال والشباب والشيوخ الذين حوصروا في إقليم راخين في ميانمار، وأجبرتهم السلطات هناك على الفرار من أوطانهم تحت ضغط هجمات وحشية بربرية، لم تعرفها البشرية من قبل، ومنهم مَن مات مِن ألم المشي وقسوة الجوع والعطش والشمس الحارقة، ومنهم مَن ابتلعته الأمواج بعد ما ألجأه الفرار إلى ركوب البحر».
وأضاف البيان: «هذا المشهد الهمجي واللاإنساني ما كان ليحدث لولا أن الضمير العالمي قد مات، ومات أصحابه، وماتت معه كل معاني الأخلاق الإنسانية، وصمتت بموته أصوات العدل والحرية وحقوق الإنسان صمت القبور، وأصبحت كل المواثيق الدولية التي تعهدت بحماية حقوق الإنسان وسلام الشعوب وحقها في أن تعيش على أرضها، أصبح كل ذلك حبراً على ورق، بل أصبح كذباً لا يستحق ثمن المداد الذي كتب به».
وتابع: «لم يعد الاكتفاء بمجرد الإداناتِ يجدي نفعاً أمام ما يتعرَّض له مسلمو الروهينجا من عمليات إبادةٍ جماعيةٍ بأسلوب غادر، يُذكِّرنا بأسلوب الوحوش في الغابات، كما أصبحت المناشدات الخجولة المترددة التي تطلقها المنظمات الدولية والإنسانية لإنقاذ المواطنين المسلمين من عدوان الجيش البورمي والسلطات في ميانمار، ضرباً من العبث وضياع الوقت، ونحن على يقين من أن هذه المنظمات العالمية كانت ستتخذ موقفاً آخر مختلفاً، قويّاً وسريعاً، لو أن هذه الفئة من المواطنين كانت يهودية أو مسيحية أو بوذية أو من أتباع أي دين أو مِلَّة غير الإسلام».
وأشار البيان إلى أن «الأزهر الشريف سعى بالتعاون مع مجلس حكماء المسلمين بتجميع الفرقاء المتصارعين وتقريب وجهات النظر المتصارعة في راخين حين استضاف، في بداية هذا العام بالقاهرة، عدداً من القيادات الشابة يمثلون كافة الأديان والعرقيات في ميانمار، منهم رهبان ورجال أديان، كخطوة أولى لوضع القضية على طريق السلام، إلَّا أن بعض القيادات الدينية في ميانمار ضربت بهذه الجهود عرض الحائط، وسمحت لهم ضمائرهم أن يتحالفوا مع عناصرَ متطرفةٍ مِن جيش الدولة المسلَّح، للقيام بعمليات إبادةٍ جماعيةٍ وتطهيرٍ عرقيٍّ ضد المواطنين المسلمين، وفي وحشية يندى لها جبين الإنسانية، وهذا الموقف الذي ترفضه جميع الأديان سوف يسطر سِجلاً من العار في تاريخ ميانمار لا يمحوه الزمن».
وذكر البيان: «انطلاقاً من المسؤولية الدينية والإنسانية للأزهر الشريف، والتزامه برسالته العالمية، لا يُمكنه أن يقف مكتوف الأيدي أمام هذه الانتهاكات اللاإنسانية، وسوف يقود الأزهر الشريف تحركات إنسانيةً على المستوى العربي والإسلامي والدولي لوقف هذه المجازر التي يدفع ثمنها المواطنون المسلمون وحدهم في ميانمار، ويطالب الأزهر الآن كافة الهيئات والمنظَّمات الدولية وجمعياتِ حقوق الإنسان في العالَم كُلِّه أن تقوم بواجبها في اتخاذ الإجراءات اللازمة للتحقيق في هذه الجرائم المنكرة، ولتعقُّب مرتكبيها وتقديمهم لمحكمة العدل الدولية لمحاكمتهم كمجرمي حرب جزاء ما ارتكبوه من فظائع وحشية، ويجب على الجميع أن يضع في الاعتبار أن مثل هذه الجرائم هي من أقوى الأسباب التي تشجع على ارتكاب جرائم الإرهاب، التي تعاني منها الإنسانية جمعاء».
وأضاف «إننا نُطلق من هنا: من مصرَ قلبِ العروبة والإسلام، ومن الأزهر الشريف، صرخة إنسانية مدوية للمطالبة بتحرك فوري من جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وبخاصةٍ مجلس الأمن، وقبل ذلك: من صُنَّاع القرار في الدول العربية والإسلامية أن يبذلوا أقصى ما يستطيعون من ضغط سياسي واقتصادي يُعيد السلطات الحاكمة في ميانمار إلى الرشد والصواب، والتوقُّف عن سياسة التمييز العنصري والديني بين المواطنين».
واختتم البيان بقوله «ولا ينسى الأزهر أن يعلن أسفه للموقف المتناقض الذي يقفه من يحمل جائزة نُوبل للسلام بإحدى يديه، ويبارك باليد الأخرى كل الجرائم التي تضع السلام في مهب الريح وتَجعل منه مجرد لفظ لا معنى له، ونقول لإخواننا في بورما، اُصمدوا في وجه هذا العدوان الغاشم ونحن معكم ولن نخذلكم، والله ناصرُكم واعلموا أن الله لا يصلح عمل المفسدين».
من ناحية أخرى قال شاهد وثلاثة مصادر مطلعة، إن ما يصل إلى 8 قرى أحرقت الجمعة، في منطقة في شمال غرب ميانمار حيث كانت أعداد كبيرة من مسلمي الروهينجا تحتمي من موجة عنف اجتاحت المنطقة.
وتستعر الحرائق في منطقة راثيدونغ، المختلطة عرقياً إذ يعيش فيها مزيج من مسلمي الروهينجا والبوذيين من عرقية الراخين.
وقال أحد القرويين في المنطقة: «اليوم في حوالي الساعة الرابعة بعد الظهر، رأيت الدخان يتصاعد من المنطقة التي تحترق فيها القرى، رأيته من قرية تشين التي أقيم فيها الآن».
ولم يتضح من الذي أضرم النيران في القرى. ولا يسمح لصحفيين مستقلين بالوصول إلى المنطقة حيث تقول ميانمار، إن قوات الأمن تنفذ عمليات تطهير ضد «إرهابيين متطرفين».
ويقول مراقبون معنيون بحقوق الإنسان وأفراد من مسلمي الروهينجا الذي فروا من المنطقة إن الجيش وحراس من عرقية الراخين شنوا حملة لإضرام الحرائق بهدف إجبار المسلمين على الفرار.
ومن المرجح أن يتسبب إحراق القرى في مزيد من موجات الهروب الجماعي للروهينجا إلى بنغلادش المجاورة. وفر ما يقرب من 270 ألفاً في أقل من أسبوعين مما تسبب في أزمة إنسانية.
وراثيدونغ، هي أبعد منطقة يقطنها الروهينجا عن الحدود مع بنغلادش. ويخشى عمال إغاثة من وجود أعداد كبيرة من المسلمين محاصرين هناك.
وأكدت مصادر اندلاع الحرائق بما يشمل مراقبين لهما شبكة من المخبرين على الأرض وصحفي محلي مقره في بلدة قريبة من المنطقة.
وقالت المصادر، إن من بين القرى التي أحرقت قريتي أه هتيت نان يار، وأوك نان يار، على بعد نحو 65 كيلومتراً شمالي سيتوي عاصمة ولاية راخين. وقال أحد المصادر، إن مخيماً لنازحين في المنطقة احترق أيضاً.
وأكد أحد المصادر، أن ما بين 300 و400 من مسلمي الروهينغا، فروا من حملات مشابهة، كانوا يحتمون في أه هتيت نان يار حتى اليوم السابق لاندلاع الحرائق ونقل عن شاهد عيان قوله إنهم فروا قبل اندلاعها.
ويختبئ القرويون الآن في الغابة أو يحاولون قطع رحلة خطرة تستغرق أياماً سيراً على الأقدام وسط أمطار موسمية نحو منطقة ماونجداو وإلى الغرب أكثر نحو نهر ناف الذي يفصل ميانمار عن بنغلادش.
من جانب اخر قال مسؤول كبير بوزارة الخارجية الأمريكية الجمعة، إنه يجب على ميانمار الرد بشكل معقول على الهجمات على قوات الأمن في ولاية راخين مع احترام سيادة القانون وحقوق الإنسان.
وقال نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشرق آسيا، باتريك ميرفي، للصحفيين، إن واشنطن لمست أوجه قصور من جانب قوات الأمن والحكومة في التعامل مع الوضع في راخين وتحث على استئناف دخول المساعدات الإنسانية والصحفيين إلى هناك بشكل عاجل.
من جهة أخرى تكثف منظمات الصليب الأحمر عملياتها في شمال غرب ميانمار الذي يمزقه العنف بعد أن اضطرت الأمم المتحدة لتعليق أنشطتها هناك في أعقاب تلميحات من الحكومة بأن المنظمة الدولية دعمت متمردي الروهينغا.
وبينما تركزت أنظار العالم على بنغلاديش التي فر إليها نحو 290 ألفاً من مسلمي الروهينغا خلال أسبوعين، جراء حملة قمع للجيش ضد المتمردين يقول عمال الإغاثة إن «أزمة إنسانية حادة تتكشف في ميانمار».
وآلاف النازحين تقطعت بهم السبل أو لا يجدون طعاماً منذ أسابيع.
وبدأ نزوح الروهينغا في 25 أغسطس بعد أن هاجم مسلحون من الروهينغا مراكز للشرطة وقاعدة للجيش في ولاية راخين. وأثار ذلك حملة مضادة من الجيش قتل فيها 400 شخص على الأقل وأحرقت آلاف المنازل ودمرت قرى وخلت مساحات كبيرة من سكانها.
وقال جوي سينجال من الاتحاد الدولي للصليب الأحمر والهلال الأحمر: «أصبحت الأمم المتحدة والمنظمات الدولية غير الحكومية غير مرحب بها في راخين.. وأصبحت عاجزة عن العمل وعلى ضمان سلامة وأمن عامليها ومتطوعيها».
وأضاف «في مثل هذه الأجواء وجهت الحكومة الدعوة للصليب الأحمر لمساعدتها».
ويشعر عمال الإغاثة بالقلق لأن الكثير من الروهينغا بلا طعام منذ منتصف يوليو تموز عندما لم يعد بمقدور برنامج الأغذية العالمي، الذي يزودهم بالطعام والمساعدات المالية، مواصلة العمل.
وقامت الأمم المتحدة بإجلاء العاملين «غير الضروريين» من المنطقة بعد تلميحات من الحكومة بأن برنامج الأغذية العالمي ومنظمات إغاثة دولية دعمت المتمردين بعد وقت قصير من الهجمات.
وقال جوي إن الحكومة ستتولى «التنسيق وتسهيل» الأعمال في حين سيدير الصليب الأحمر أعمال «التقييم ومساعدات الإغاثة والتنفيذ».
وما زال الآلاف يحاولون عبور الجبال والغابات الكثيفة وحقول الأرز من أجل الوصول إلى بنغلاديش.
وقالت الحكومة إنها ستقيم مخيمات للنازحين ولكن هذه الخطوة قد تثير معارضة بعض الخبراء المعنيين بالشؤون الإنسانية.
وعارضت الأمم المتحدة إقامة قرى «أشبه بالمخيمات» للروهينغا في أبريل(نيسان)، مستشهدةً بخطر إثارة توترات. وأكدت الأمم المتحدة أهمية السماح للنازحين بالعودة إلى ديارهم وحياتهم.