
بدأ الملتقى الوقفي ندواته أمس الأول عبر محاوره الأربع، ثلاثية المجتمعية: تلبية، توعية، تنمية، ودور الوقف في التكامل مـع مؤسسات الدولة، والشراكة المجتمعية مع مؤسسات المجتمع المدني، وتجارب رائدة عربيا وعالميا في تنمية المجتمع.
وضمت الجلسة المسائية الأولى ندوة بعنوان العمل الوقفي، نظرة عن قرب وترأس الجلسة الشيخ سلمان بن عيسى آل خليفة وحاضر خلالها كل من د.خالد الصافي ود.عبدالله السدحان عبر سكاي بي ود.بدر محمد الراجحي ود.عبدالمحسن الجارالله الخرافي.
وضمت الجلسة المسائية الثانية ندوة بعنوان تنمية المجتمع من الرعاية إلى الاستدامة وترأس هذه الجلسة حمد جاسم المير مدير إدارة الإعلام والتنمية الوقفية بالأمانة وحاضر فيها كل الشيخ محمد حسان ومحمد الجلاهمة وإبراهيم محمد مكي وم. غالب القضاة.
الوقف واقع ملموس ورؤى مستقبلية
وقدم الأمين العام للأمانة العامة للاوقاف د.عبد المحسن الجارالله الخرافي ورقة عمل عرض من خلالها تعريف الوقف في اللغة، مبينا انه يأتي بمعنى التحبيس والتسبيل يقال: وقف الأرض على المساكين ولهم، وقفاً أي حبسها، ويجمع على «وقوف وأوقاف» ومعنى تحبيسه: أن لا يورث ولا يباع ولا يوهب، ولكن يترك أصله، ويجعل ثمره في سبيل الخير، وعلى ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه في نخل له أراد أن يتقرب بصدقته إلى الله عز وجل: حبس الأصل، وسبل «1» الثمرة أي اجعله وقفاً حبساً.
وقال ان الوقف لم يقتصر على تلبية احتياجات الإنسان في المجتمع، بل بلغ الأمر بالوقف على البيئة والعناية بها، والوقف على الحيوان، وكذلك الوقف على صيانة الترع والأنهار ومجاري المياه، وإقامة الجسور عليها، والوقف على طيور الحرمين الشريفين مثلاً ويمكن إجمال مجالات الوقف قديماً في الآتي: الأسرى، الأطباء، أبناء السبيل، البريد، العلماء، المدارس، المساجد، المستشفيات، المقابر، الكتب وطباعتها ونشرها، رصف الطرق وتعديلها، المراصد الفلكية، المساجين وغير ذلك. وهكذا نجد أن مجالات الوقف يمكن أن تشمل: الوقف الديني، الوقف الاجتماعي، الوقف الاعتباري كالوقف على الهيئات والمؤسسات ذات الطابع الخدمي في المجتمع.
وبين أن علاقة الوقف بالتنمية المجتمعية التي حظيت باهتمام كبير من الفقهاء المسلمين الذين أكدوا على أنها ليست عملية انتاج فحسب، إنما هي عملية كفاية في الانتاج مصحوبة بعدالة في التوزيع، وأنها ليست عملية مادية فقط، وإنما هي عملية إنسانية تهدف الى تحسين حالة الفرد وتقدمه في المجالين المادي والروحي معاً، والتنمية او إعمار الأرض فريضة على الإنسان المسلم وعلى الدولة بمؤسساتها المجتمعية المختلفة ويتجلى بوضوح دور الوقف في التنمية المجتمعية في مجال التكافل الاجتماعي الذي يعني التساند والتآزر والتضامن ومن ثم نجد دور الوقف في تأمين الضروريات أو الحاجيات للأفراد في المجتمع المسلم، ومن ذلك الإطعام، الكسوة، المأوى، «المسكن» الصحة، العناية بالأيتام والأرامل اللواتي لا عمل لهن ولا عائل يكفيهم حاجتهن الانسانية.
وعن دور الوقف في تحقيق التكافل الاجتماعي أنشأت الامانة الصناديق الوقفية والتي تعتبر صيغة تنظيميه تتمتع بإدارة ذاتية وإستقلالية نسبية، قامت الأمانة العامة للأوقاف بإنشائها انطلاقاً من فلسفتها في إحياء المفاهيم الحضارية والتنموية للوقف، باعتبارها أداء رئيسية وخياراً استراتيجياً في أسلوب تطوير مسيرة الوقف وتنفيذ الرسالة الوقفية للأمانة العامة للأوقاف بشكل فاعل، ومن مشروعاتها ما يلي: مشروع إصلاح ذات البين، مشروع من كسب يدي، مركز الاستماع، مركز تقويم الطفل.
رعايـة أفراد المجتمع
وقدم محمد الجلاهمة نائب الأمين العام للأمانة العامة للاوقاف للمصارف الوقفية ورقة عمل بعنوان: دور الوقف في حياة الفرد والمجتمع، وتناول فيها أهمية الوقف كمؤسسة من أهم المؤسسات الإسلامية التي نشأت وتطورت في ظـل الحضارة الإسلامية، وساهمت بدور فاعل في الحفاظ على هوية الأمة، والنهوض بالمجتمعات الإسلامية وتدعيم مختلف نواحي الحياة الاجتماعية فيها، مما جعل لمؤسسة الوقف فضلاً كبيراً وأهمية عظمى في تاريخ الإسلام والمسلمين. وقد عرفت الأوقاف عبر العصور الإسلامية، نموّاً وتنوّعاً واتساعاً، حيث لم تقتصر أدوارها على العناية بفئات المجتمع فحسب، بل تعدتها إلى العناية بكل ما يعتمد عليه الناس في حياتهم المعيشية.
ووأضاف الجلاهمة في ورقته أن امتداداً دولة الكويت سعت إلى إعادة تفعيل الدور التاريخي الرائد للوقف الإسلامي، وإحياء سنته الحميدة، وتعزيز دوره في رعاية مختلف جوانب الحياة الاجتماعية لكافة فئات المجتمع وشرائحه. فكان أن أنشأت الأمانة العامة للأوقاف كمؤسسة تنموية تسعى إلى النهوض بالوقف، وتجديد الدور التنموي له من خلال طرح مشاريع تنموية في صيغ إسلامية للوفاء باحتياجات المجتمع، بالإضافة إلى حسن إنفاق ريع الأموال الموقوفة لتلبية الاحتياجات الاجتماعية والتنموية التي يفرزها الواقع بما يراعي تحقيق أعلى عائد تنموي اجتماعي ممكن.
واستعرض الجلاهمة مراحل تطور الوقـف في دولة الكويت وحصرها في المراحل الثلاث التالية:
المرحلة الأولى: مرحلة الإدارة الأهلية
المرحلة الثانية: مرحلة تسمية وزارة الأوقاف
المرحلة الثالثة: مرحلة نشأة الأمانة العامة للأوقاف، والتي أنشئت بموجب المرسوم الأميري رقم 257 والصادر في 13 نوفمبر 1993م، وتختص بالدعوة للوقف والقيام بكل ما يتعلق بشؤونه من إدارة أمواله واستثمارها وصرف ريعها في حدود شروط الواقف وبما يحقق المقاصد الشرعية للوقف وتنمية المجتمع لتخفيف العبء عن المحتاجين.
وهكذا فقد أنشئت الأمانة العامة للأوقاف كمؤسسة تنموية رائدة غايتها العمل على إحياء سنة الوقف، وتطوير مسيرته، وتفعيل الدور التنموي له في النهوض بالمجتمع وتلبية احتياجاته وفق الثوابت الشرعية للوقف ومعطيات الحاضر ومتطلبات المستقبل. وتمتلك الأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت ضمن بنائها المؤسسي عدة صيغ تنظيمية عصرية لتمويل مختلف مجالات العمل التنموية أهمها الصناديق الوقفية وهي الإطار الأوسع لممارسة العمل الوقفي، ومن خلالها يتمثل تعاون الجهات الشعبية مع المؤسسات الرسمية في سبيل تحقيق أهداف التنمية الوقفية، والمشاريع الوقفية وهي مشاريع ذات كيانات عملية وتنظيمية مستقلة. الهدف من إنشائها هو توفير خدمات أو القيام بأنشطة تنموية. وبطبيعة الحال فقد أسهمت هذه الصيغ المستحدثة بدور فاعل في النهوض بمسيرة التنمية وتقديم الرعاية لأفراد المجتمع في مختلف المجالات ونواحي الحياة.
وعدد الجلاهمة في ورقته أهم الإسهامات التي قدمتها الأمانة الرعاية أفراد المجتمع من الطفولة إلى الشيخوخة مروراً بمرحلة الشباب، ومن المشاريع التي تنفذها الأمانة العامة للأوقاف على سبيل المثال لا الحصر:
أولاً: مشروع إصلاح ذات البين الذي يهدف إلى حماية الأسرة والمجتمع من التصدع، وتقديم أفضل الأساليب في التعامل الأسري تجنباً لحدوث الطلاق.
ثانياً: مشروع مركز الاستماع وهو أحد معالم التنمية الاسرية بدولة الكويت في تقديم الاستشارات وحل المشكلات التربوية والنفسية والاجتماعية هاتفياً للمتصلين من داخل الكويت أو خارجها.
ثالثاً: مشروع من كسب يدي لرعاية الفئات التى تتقاضى المساعدة الاجتماعية من وزارة الشئون الاجتماعية والعمل مطلقات، أرامل، غير متزوجات، وغيرهن، بالإضافة إلى الأسر الكويتية المتعففة وذلك لتأهيلهن وإكسابهن المهارات اللازمة للعمل لمساعدتهن على سد حاجاتهن والاعتماد على أنفسهن.
رابعاً: مشروع الرؤية الذي بموجبه يلتقي أحد طرفي الأسرة التي حدث فيها أبغض الحلال وهو الطلاق بأبنائه في مكان مناسب مخصص لهذا الغرض التربوي والاجتماعي النبيل وليس في مخافر الشرطة كما كان الوضع سابقاً، وذلك بالتعاون مع وزارة العدل متمثلة في إدارة الاستشارات الأسرية والإدارة العامة للتنفيذ.
خامساً: دعم مركز تقويم الطفل في معالجته لبطيء التعلم عند الذين قدر الله لهم بطيء الفهم عن اقرانهم الأمر الذي يهددهم بالتخلف الدراسي طوال حياتهم ما لم يتم استدراك ذلك باكتشاف هذا العيب الخلقي فيهم أولاً، ثم معالجته ثانياً، ثم إدماجهم مع أقرانهم في مدارس مراحل التعليم العام.
بالإضافة إلى مشروع مركز صدى التعليمي، وهو من المشروعات الحديثة، ويُعنى بشئون الأطفال ضعاف السمع وزارعي القوقعة في الأذن، وهو أحد المراكز الرائدة والفريدة في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط، وتأسس بالتعاون مع مركز تقويم وتعليم الطفل.
بناء الحياة الاجتماعية وتماسكها
وفي ورقته بعنوان دور الوقف في بناء الحياة الاجتماعية وتماسكها أكد د. عبد الله بن ناصر بن عبدالله السدحان إن من المبشرات التي يتباهى بها المسلم في العصر الحالي تنامي الاهتمام بالوقف بشكل مستمر ذلك أنه المحرك القوي لنهضة شاملة تباشرها الأمة الإسلامية عن قريب بإذن اللَّه، ومن تلك المبشرات تتابع الندوات عن الأوقاف وتزايد تناول هذا الموضوع، ولعل مما يبعث الأمل في هذه الصحوة الوقفية اتجاه الحكومات إلى بعثه وليس الأفراد فحسب، فما وجود وزارات للأوقاف في حكومات الدول الإسلامية الحالية وقيامها جنبا إلى جنب مع الجامعات والمراكز العلمية بعقد الندوات وطباعة الكتب إلا مؤشر حيّ على الرغبة الأكيدة والعزيمة الصادقة على إعادة الوقف إلى ماضي عزه وسالف مجده الفاعل في عجلة التنمية الشاملة في الدول الإسلامية.
وبين أن دور الوقف يتجلى في بناء الحياة الاجتماعية وتماسكها في المجتمع المسلم من خلال مداخل متعددة في المجتمع، مثل المدخل الوقائي، والمدخل العلاجي، والمدخل التنموي. كما سيكون هناك توضيح للدور الذي أداه الوقف في حياة المجتمعات الإسلامية على مر العصور السابقة، وإبراز سمات التكاتف والتعاضد التي تفرَّد المجتمع المسلم وتميّزه بها عن غيره من المجتمعات، من خلال المؤسسات الاجتماعية التي كان للوقف أثر بالغ ودور كبير ليس في قيامها وحسب، بل في استمرارها لعقود طويلة. وسيسبق ذلك الحديث عن الوقف بشكل عام وتعريفه وأهدافه وتطوره دون الدخول في الجانب الفقهي.
مجالات الوقف
وتحت عنوان مجالات الوقف في الحياة الاجتماعية عدد السدحان مصارف الأوقاف لدى المسلمين على مرّ العصور التي تنوعت تنوعا كبيرا، فكان هناك تلمس حقيقي لمواطن الحاجة في المجتمع لتسد هذه الحاجة عن طريق الأوقاف، فالوقف من حيث بعده الاجتماعي يبرهن على الحس التراحمي الذي يمتلكه المسلم ويترجمه بشكل عملي في تفاعله مع هموم مجتمعه الكبير، وكان للوقف أثر واضح في الحياة الاجتماعية، إلا أن الدور الفاعل والواضح للوقف في مجال الحياة الاجتماعية وتماسك المجتمع يتمثل في المدارس والمحاضر والدور التي أنشئت خصيصاً للأيتام ويوفر لهم فيها المأكل والأدوات المدرسية، كما يتضح دور الوقف في الحياة الاجتماعية بشكل جلي في الأربطة، والخانقاوات، والزوايا، والتكايا، بالإضافة إلى الأسبلة التي يقصد بها توفير ماء الشرب للمسافرين وعابري السبيل وجموع الناس سواء داخل المدن أو خارجها، بالإضافة إلى البيمارستانات، وبخاصة عندما يقترن بها جانب من جوانب الرعاية الاجتماعية، وقد شمل الوقف معظم مجالات الرعاية الاجتماعية وكان له دور في بناء الحياة الاجتماعية وتماسكها، ومنها رعاية الأيتام، رعاية الغرباء والعجزة، رعاية الفقراء والمعدمين:رعاية المرضى اجتماعياً
وأوصى السدحان في ختام وقته بتكثيف الدعوة نحو إعادة الوقف لموقعه الطبيعي في نهضة الأمة الإسلامية بشكل عام، ومن أهم هذه الخطوات هي: توعية أفراد المسلمين بضرورة التنوع في وقف الأعيان وعدم التركيز على نوع معين، والاقتداء بسلفنا الصالح حينما كانوا يتلمسون مواطن الحاجة للمجتمع وما نتج عن ذلك من تطور نوغي في الأوقاف بشكل لم يشهد له التاريخ مثيل. إضافة إلى تحويل جميع عمليات الوقف من مبادرات فردية إلى عمل مؤسسي منظم من خلال إنشاء صناديق وقفية متخصصة يندرج ضمنها الأوقاف القائمة حالياً، وما يستجد من أوقاف في إطار واحد تحدده شروط الواقفين. وتساعد مثل هذه الصناديق على توفير رأس مال كبير من مجموع الأوقاف المتناثرة، مما يعطي فرصة أكبر لتنمية وتثمير رؤوس الأموال تلك، وإنشاء مشاريع كبرى تحقق تنمية اجتماعية واسعة.
تجربة الشيخ محمد الراجحي
قدمها د.بدر بن محمد بن عبدالعزيز الراجحي وهو رئيس مجلس إدارة أوقاف محمد بن عبد العزيز الراجحي وعضو مجلس إدارة الغرفه التجاريه الصناعيه بالرياض ورئيس لجنه الاوقاف بالغرفه التجارية الصناعية بالرياض بالاضافة لعدة مؤسسات صناعية ووقفية، وتناولت ورقته تجربة أوقاف الشيخ محمد بن عبدالعزيز الراجحي النوعية بالمملكة العربية السعودية
وقال فيها تقوم الأوقاف بدور كبير وفاعل في دعم العمل الخيري وتنميته والارتقاء به وتطويره، وذلك من خلال تقديم الدعم المالي لتحقيق الاستدامة المالية التي تسهم في تعزيز مكانة العمل الخيري في المجتمع، وتمكين الجهات الخيرية من ممارسة دورها الفاعل والمؤثر في المجتمع وفي مختلف المجالات، وأوقاف الشيخ محمد بن عبدالعزيز الراجحي تعد أحد الأوقاف التي لها اسهامات في مجال تنمية المجتمع وخدمته من خلال عمل مؤسسي منظم ومحكم.
تجربة استراليا ونيوزلندا